ابن عجيبة
192
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قولية أو فعلية أو قلبية ، فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها من الحسنات ، فضلا من اللّه ، وهذا أقل ما وعد من الأضعاف ، وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة ، وبغير حساب ، ولذلك قيل : المراد بالعشر : الكثرة دون العدد ، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ؛ قضية للعدل ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بنفس الثواب وزيادة العقاب . الإشارة : إنما تضاعف أعمال الجوارح وما كان من قبل النيات ، وأما أعمال القلوب فأجرها بغير حساب ، قال تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ « 1 » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة » . وقال الشاعر : كلّ وقت من حبيبي * قدره كألف حجّه وقد تقدم هذا في سورة البقرة « 2 » . ثم إن تضعيف الحسنات إنما يكون لمن تمسك بالدين القيم ، وهو الذي أشار إليه بقوله : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 161 ] قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 161 ) قلت : ( دينا ) : بدل من محل « صراط » ؛ لأن الأصل : هداني صراطا مستقيما دينا قيما ، و ( قيّما ) : فيعل من القيام ، فهو أبلغ من مستقيم ، ومن قرأ بكسر القاف : فهو مصدر وصف به ؛ للمبالغة ، و ( ملة إبراهيم ) : عطف بيان لدين ، و ( حنيفا ) : حال من إبراهيم . يقول الحق جل جلاله : قُلْ لهم : إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بالوحي والإرشاد إلى ما نصب من الحجج والآيات ، دِيناً قِيَماً ؛ مستقيما يوصل من تمسك به إلى جوار الكريم ، في حضرة النعيم ، وهو مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أي : دينه ، حال كونه حَنِيفاً : مائلا عما سوى اللّه ، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وهو تعريض لقريش ، الذين يزعمون أنهم على دينه ، وقد أشركوا بالله عبادة الأوثان . الإشارة : قد أخذ الصوفية من هذا الدين القيم ، الذي هدى اللّه إليه نبيه - عليه الصلاة والسلام - خلاصته ولبابه ، فأخذوا من عقائد التوحيد : الشهود والعيان على طريق الذوق والوجدان ؛ ولم يقنعوا بالدليل والبرهان ، وأخذوا من الصلاة : صلاة القلوب ، فهم على صلاتهم دائمون مع صلاة الجوارح ، على نعت قوله :
--> ( 1 ) الآية 10 من سورة الزمر . ( 2 ) راجع إشارة الآية 197 من سورة البقرة .